ابن أبي مخرمة

466

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

المردع - بفتح الميم ، وسكون الراء ، وفتح الدال المهملة ، وآخره عين مهملة - من ناحية حجر على مرحلة من شرقي الجند ، فلما شب ولده محمد صاحب الترجمة . . علمه القرآن ، وفتح اللّه عليه ، فخرج مهاجرا لأبويه ؛ إذ كانت سيرتهما غير محمودة . وكان محمد من العارفين ، أهل الكرامات والرياضات والسياحات ، والتفرد في الخلوات ، يقال : إنه حج ، فأدرك الشيخ أبا العباس المغربي بالطائف ، فحصل له منه نفس وتحكيم ، وانتفع به الفقيه محمد ، وتهذب وارتاض ، وأخذ عنه الطريق . ومن غريب ما يحكى عن الشيخ محمد بن ظفر أن امرأته فاطمة لم يكن له زوجة غيرها وكانا متصادقين في الصحبة حجا وجاورا في الحرمين سبع سنين ، ويقال : إنهما تعاهدا أن من مات منهما . . لم يتزوج الآخر بعده ، فتوفي الشيخ محمد بن ظفر قبل امرأته ، فلما انقضى إحدادها . . خطبها جماعة من أعيان البلد لكونها من قبيل كبير ، فامتنعت ؛ وفاء للعهد ، فخطبها الشيخ مبارز بن غانم تلميذ الشيخ محمد بن ظفر من أهلها ، فأجابوه إلى ذلك ، وألحوا عليها في التزويج منه ، وكانت معتكفة على قبر زوجها الشيخ محمد بن ظفر ؛ إذ هو من المقاصد المشهورة للتبرك ، وقالوا لها : إما أن تتزوجي بالشيخ مبارز ، أو تروحي معنا إلى بلادنا ، فاختارت الزواج بالشيخ مبارز بشرط ألا ينقلها من الموضع الذي هي فيه ، فانتظم العقد ، وتواعدوا للزفاف في يوم معلوم ، فلما كان ذلك اليوم . . وصل الشيخ مبارز إلى الموضع الذي هي فيه ، وظلت تتهيأ للدخول ، فبينا هي كذلك ؛ إذ غفت إغفاءة ، ثم استيقظت تبكي ، وكان كرّ « 1 » كان الفقيه محمد يلبسه ، وأوصى أن يدفن ذلك الكر معه ، فدفن معه ، وجعلت تبكي وتقبّل الكر وتقول : المعذرة إليك يا بن ظفر ؛ فإنني مقهورة ، فسألها أهلها عن سبب بكائها ، فقالت : أما تعلمون أن هذا الكر كر الفقيه ، وأنه دفن معه ؟ ! قالوا : بلى ، قالت : فإني رأيت الفقيه هذه الساعة ، وقال لي : امتنعي ، وقولي بيني وبين الفقيه عهد أن من سبق صاحبه بالموت . . لم يتزوج الآخر بعده ، وأني كنت استحييت أن أذكر لكم ذلك ، فلما كان هذه الساعة . . أتاني الفقيه وعاتبني وقال : يا فلانة ؛ ما هذا فعل من يعاهد ! فلما اعتذرت بأنكم أكرهتموني . . قال : لا عليك ، امتنعي وقولي : هذا الكر أمارة من الفقيه إليكم ، لا تكرهوني ، وعرفوا مبارزا يطلقني ، ويذهب إلى رباطه ، فأخرج الكر إلى مبارز ، فلما رآه عظم ذلك عليه ، فلما أخبروه بذلك . . عاد مسرعا إلى رباطه ، ولم تكن تطل مدته .

--> ( 1 ) الكرّ : الكساء .